|
مقاطع من أغنية نقديَّة
بقلم: علي شلش
(هذه مقاطع من أغنية نقدية – إذا صح أن توجد مثل هذه الأغنية في النقد – أوحت لي
بها قراءة "مقاطع من أغنية الرصاص").
1-
من قلب المعارك، وتحت مظلة النار والرصاص، تشتعل الكلمة وتتوهج. وإذا توهجت الكلمة
صارت طلقة، وهذا ما يحدث على أرضنا منذ 6 أكتوبر العظيم.
صحيح أن الكلمة لا تغني عن الطلقة، وصحيح أيضًا أنه لا فضل لاحداهما على الأخرى إلا
بما تحمل من معنى وما تحدث من أثر، ولكن الأصح أن الكلمة والطلقة تصبحان وقت الحروب
شقيقتين ووجهين لعملة واحدة اسمها الجهاد.
2-
إذا اشتعلت الكلمة وتوهجت وقت الحروب فغالبًا ما يكون على أيدي الشعراء. فالثابت أن
سجل الحروب والمعارك – منذ أن كانت ثمة حروب ومعارك - يحفظ للشعراء مكان الأولوية
في اشعال الكلمات وتفجيرها. والثابت أيضًا أن الشعراء من أقدر أصحاب الكلمة على
الاستجابة العاجلة – إن لم تكن الفورية – للأحداث والخطوب، وهم أيضًا من أقدر أصحاب
الكلمة على التعبير المكثف والمركز عن هذه الاستجابة، هم – أي الشعراء – نوع حساس
من البشر، أشبه بالترمومتر الذي نقيس به درجة الحرارة.
3
– لأن الحرب والمعارك ساخنة بطبيعتها، ولأنها ترفع درجة الإنسان المحارب وغير
المحارب على السواء، فإنها ترفع درجة حرارة الكلمة نفسها كوسيلة من وسائل الاتصال،
حتى تؤدي دورها مع الطلقة، وعندئذٍ تشتعل الكلمة وتتوهج، ويجيء الشعراء فتزداد
الكلمة اشتعالاً وتوهجًا في أيديهم.
4
– حدث ذلك، ويحدث، للشعراء ابتداءً من هوميروس إلى مجدي نجيب، الذي قطع من الشعر
أحلى سنوات العمر حتى الآن، يكتب القصيدة فتغنّى ويكتب الأغنية فتقرأ، ولكنه في
كلتا الحالتين واقف في وضع الاستعداد، يده على كلمته، وكلمته على لسانه، ولسانه على
ترمومتر حساس، وترمومتره على الحرب!
5
– لقد ظهر مجدي نجيب في غمار حرب، ونضج في غمار حرب ثانية، وها هو يتألق في غمار
حرب ثالثة، وبين الحروب الثلاث من السنين أقل من نصف عمره. ففي عام 1956 كانت
البدايات الحقيقية لأشعار مجدي نجيب، وفي عام 1967 تقدمت هذه البدايات، وفي عام
1973 تألقت الأشعار في يديه وبدت أكثر نضجًا وحكمة.
كانت كل حرب من هذه الحروب الثلاث تشحذ عصبًا رئيسيًّا معينًا في تكوين مجدي نجيب
الشعري، هو عصب الوطن – الحب أو الحب – الوطن إذا صح التعبير. وكانت كل حرب من هذه
الحروب الثلاث أيضًا تصنع لشعر مجدي نجيب مصفاة تنساب منها همومه الذاتية ولا يترسب
فيها سوى مصر، الوطن والحب معًا. وليس من الغريب إذًا أن يصير شعره في النهاية، أو
قل أن يصير الجسم الرئيسي في شعره، أغنية حب وحرب في وقت واحد .. حب لهذه الأرض
وحرب على أي عدوان عليها. وأعتقد أن الحب – الحرب هو المفتاح السليم لعالم مجدي
نجيب الشعري، وبدونه قد يضل الناقد.
6
– نحن هنا أمام أحدث عمل شعري لمجدي نجيب. عنوانه "مقاطع من أغنية الرصاص". وإذا
أخذنا الأمور بظاهرها، وإذا أخذنا الخطاب من عنوانه كما يقولون لقلنا أننا أمام
أغنية طويلة، وهي أغنية جديدة فجرها رصاص 6 أكتوبر العظيم. ولكن لنتريث في الحكم
قليلاً حتى نفرغ من الاطلاع على الوقائع.
7
– في مطلع هذا الديوان – القصيدة أو القصيدة – الديوان نقرأ المقطع التالي:
لو
رصاصه واحده
رصاصه واحده .. معايا
رصاصه،أحمي بلدنا
رصاصه أحمي حبيبي
وطني .. حبيبي
الكلمات بسيطة جدًّا، من قاموس الحياة اليومية، ولكن جمعها وشبكها خيط ساخن خفي،
نستطيع التعرف عليه من خلال تكرار كلمة "رصاص"، وهو هنا تكرار لا يأتي للتأكيد
فحسب، وإنما يأتي أيضًا لتكثيف التجربة الشعرية في المقطع بحيث تبدو خلاصتها في هذه
الكلمة "رصاصه" التي تكتسب دلالتها الحقيقية فور انطلاقها على الورق.
8
– تأمل أيضًا كلمة "الطلقة" التي تتكرر في مقطع آخر تال مباشرةً:
الطلقه ح تكون البدايه
الطلقه ح تزغرد في عرسي
الطلقه راح تقدر تجاوب
ثم
تتكرر وتتكرر أيضًا، حتى إذا انتهت صنعت في وجدان القارئ نوعًا من الري، ري احساس
وظمأ معينين، ثم ها هي كلمة "رصاصه" تتكرر مرة أخرى بعد ذلك مباشرةً فتصنع الكلمتان
"الرصاصه والطلقه" إيقاعًا أو تنويعًا على لحن واحد، مع أنهما مترادفتان.
9
– ولكن المقطع الأول نفسه يتكرر أيضًا من وقت لآخر بعد ذلك إلى آخر القصيدة –
الديوان، أو الأغنية – الديوان إذا شئنا الدقة. فيصير المقطع بكلماته المحدودة
وايحاءاته الحية أشبه بالقرار الموسيقي أو القافية الواحدة في الشعر الحر حين يضعها
الشاعر بدون انتظام ثابت، أو هو أشبه بلزوم ما يلزم الحركة النفسية للبناء العام
للقصيدة أو الأغنية.
10
– بل يظهر التكرار اللفظي من وقت لآخر بعد ذلك فبعد هدوء نسبي يطالعنا مقطع يقول:
الحرب
الحرب
الحرب .. واجب
ومصر فوق العين .. وفوق الحاجب
وبعد جولة أخرى من الهدوء النسبي يطالعنا مقطع يقول:
مصر
مصر
مصر
جمعنا النضال ع النصر
مصر
مصر
مصر
باغرلك في توب النصر
هنا يلعب التكرار دورًا وظيفيًّا خلاقًا في هذه الأغنية – الديوان، وهو دور يلحظه
القارئ في يسر ودون أي عناء فهو – أي التكرار – أقرب إلى النشيد الجماعي أو الكورس
الذي يأتي بعد صوت الشاعر المنفرد.
11
– الشعراء صنفان: شاعر ثرثار وشاعر حقيقي، لأن الشعر لا يعرف الثرثرة، ومجدي نجيب
شاعر حقيقي، هو نفسه يؤكد ذلك صراحة بقوله:
أحلى حاجه ما نمطش في المعاني
ما
نقولش معنى ملهوشي تاني
12
– ولأن الشعر ضد الثرثرة فهو حديث بالصور. ولأن الحديث تفكير وتعبير فالشعر تفكير
وتعبير بالصورة .. الصورة المكثفة المحسوسة غير المهزوزة:
راحوا يقطفوا شجر النهار
ولما كانوا بينزفوا
كانت بتطرح من فوقيهم غناوي النار
وكانوا بيزرعوا مطرح دمار الحرب
نهار الانتصار
13
– نحن نقرأ هنا مقاطع من أغنية الرصاص فالمقطع هو وحدة الأغنية، ولكن الشاعر لا
يبني مقاطعه بناءً عموديًّا رأسيًا أو أفقيًا، وإنما يبنيها بناءً دائريًا، وتصبح
المقاطع دوائر، وتصبح الأغنية كلها في النهاية مجموعة من الدوائر المتداخلة، دائرة
داخل دائرة، تبدأ بالدائرة الكبيرة التي يمثلها الحبيب – الوطن وتنتهي بالدائرة
الصغيرة في المركز التي يمثلها إنسان هذا الحبيب – الوطن.
14
– ومع أن الأغنية دائرية البناء إلا أنها تجمع في دوائرها المتعددة عدة أشكال فينة:
فيها الأغنية العادية التي يمكن غناؤها مثل:
سينا
ما
قلناش أبدًا نسينا
في
القلب سينا
وطول ما النبض فينا
في
عيونَّا سينا
في
القلب سينا
وفيها النشيد أو الأغنية الجماعية مثل:
الحرب
الحرب
الحرب .. واجب
ومصر فوق العين .. وفوق الحاجب
وفيها المثل أو المأثور الشعبي مثل:
العدوان أفظع شيء
ولا شيء
بيصد العدوان غير إيد الرجاله
وفيها الموال مثل:
بقول لكم
تنساني دراعي اليمين
لو
نسيت القدس
تنساني
عنيَّا لـ تنين
لو
نسيت القدس
15 –
في شكل "الموال" السابق نجد اقتباسًا من شعر الأرض المحتلة، ولكن مجدي نجيب لا
يتوقف عنده، يورده ويطوّره، وكأنه استعار قطعة أرض صغيرة ليقيم عليها عمارة،
فالنسيان لا يصبح لذراعه اليمنى فحسب إن نسي القدس، وإنما يصبح لعينيه، للفرح
والنهار وضلة الديار للحضارة والتاريخ والسنابل والغيطان وشجر التوت، ألخ.
16 –
هذه الأشكال الفنية الأربعة السابقة تنتمي جميعها للتراث الشعبي أو الفولكلور، وهذا
أمر طبيعي أن يستعير الشاعر الذي يكتي باللهجة الشعبية من تراثه الشعبي. ولكن الغة
المستخدمة هنا تطل كثيرًا على قاموس اللغة الفصحى، ويكاد قاموس اللهجة الشعبية
يتوارى في كثير من الأحيان. ولعل هذا أثر من آثار نشأة الشاعر في المدينة، أو في
العاصمة على وجه التحديد، حيث ترق اللهجة ولا تعلو كثيرًا على الفصحى. ولعله أيضًا
اثر من آثار العمل بالصحافة حيث اللغة المستخدمة في الكتابة تقرب بين الفصحى
واللهجة الشعبية. ولكني أخشى على مجدي نجيب من الصحافة برغم هذا لأنها – في رأيي –
تضيق المجال على قاموس الألفاظ وتحدّه. وإذا لم يدرك الشاعر ذلك تعرّض لقلة البضاعة
من الألفاظ!
17 –
لا شك أن ما يكتبه مجدي نجيب وزملاؤه من شعراء قصيدة اللهجة الشعبية يشكّل في
مجموعه ظاهرة شعرية ولغوية جديدة. ومع أن هذه الظاهرة نشأت منذ الخمسينات، مع نمو
حركة الشعر الحر، وبتأثير الظروف الموضوعية التي أدت إلى رواج هذا اللون من الشعر،
إلا أن أحدًا لم يكلف نفسه بدراستها كظاهرة أدبية. واكتفينا منذ الخمسينات بالدوران
حول جزئيات منها مثل: هل هي امتداد لحركة البعث في الزجل التي قادها بيرم التونسي،
أن أنها نوع جديد من الكتابة الشعرية، الخ.
18 –
لا شك أيضًا أن هذه الأغنية – الديوان بالمعنى المجازي لكلمة "أغنية" هي – كما سبق
أن قلت – أغنية حب طويلة لمصر، بل هي أغنية حب وحرب معًا. وهي – أيضًا – تصلح عريضة
اتهام جديدة لحركتنا النقدية الكسول، عريضة نطلب فيها من نقادنا الإجابة عن هذا
السؤال المحدد: متى نحصل على دراسة جادة شاملة واحدة لهذا النوع من الشعر قبل أن
يبلغ من العمر ربع قرن؟
19 –
إن الطلقة كما صوّرتها هذه الأغنية تصنع الحياة وتزغرد وتغنّي وتقرّب وتحمي وتخلق
معنى الوجود ومعنى السلام وقد اثبت مجدي نجيب أن الكلمة هنا شقيقة توأم للطلقة
وأنهما وجهان للعملة الواحدة .. عملة الجهاد والنضال في سبيل الحرية.
20 –
لقد روت الأسطورة اليونانية القديمة عن أورفيوس المغني الشاعر أنه كان إذا عزف على
قيثاره تحركت الحيوانات والصخور والأشجار فتبعته متأثرة تشجي أنغامه. فمزيدًا من
العزف أيها الشعراء ومعكم مجدي نجيب عازف هذه المقاطع الجميلة من أغنية رصاص 6
أكتوبر العظيم.
["اضغط
هنا
للرجوع إلى ديوان "مقاطع من أغنية الرّصاص]
|