|
!شاعر يرسم بالكلمات
بقلم: جلال العشري
"لا يا طائر الفردوس
إن
الشعر وجدان
وفي شدوك شعر النفس
لا
زور وبهتان"
"الشعر مش بس شعر
لو
كان مقفي وفصيح ..
الشعر لو هز قلبك
وقلبي .. شعر بصحيح ..!"
هذان المعنيان اللذان عبر عنهما شاعران مختلفان .. أحدهما من أصحاب الشعر العمودي
التقليدي "عبد الرحمن شكري" والآخر من أصحاب الشعر الحر الجديد "نجيب سرور" فضلاً
عن فصحى الأول وعامية الآخر، إن دلاّ على شيء فإنما يدلان على فهم صحيح لطبيعة
الشعر وجوهره، على اعتبار أن الشعر في حقيقته شعور، وإن اختلفت صياغته أو تغيّر
إطاره.
وصحيح أن كل شاعر يشعر .. بل كل إنسان، ولكن هناك فارق .. وفارق كبير بين الشعور
الأصيل والشعور الدخيل، أو بين الشعور الصادق والشعور الزائف.
الأول وليد تجربة ومعاناة.
أما الآخر فصدى التقليد والمحاكاة.
وفرق ما بين الإثنين هو فرق ما بين الشاعر المطبوع والشاعر المصنوع.
المطبوع هو الشاعر.
أما المصنوع فليس بشاعر على الإطلاق.
فإذا خلصنا إلى أن الركيزة الأولى في الشعر هي الشعور الصادق، الذي تتشكل منه مادة
الشعر، وانتقلنا إلى الركيزة الثانية لوجدناها في التعبير الجميل، وقد يختلف معنى
الجمال من فن إلى فن ..
فإذا كان هو الحركة في المسرح.
وهو النغمة في الموسيقى.
وهو اللون في الفن التشكيلي.
فهو في المقام الأول الصورة في الشعر.
وقد يفيد الشعر من معنى الجمال في هذه الفنون مجتمعة، قد يفيد من الحركة في تجسيد
الصراع، ومن النغمة في وزن الإيقاع، ومن اللون في تصوير المناخ، ولكن أصالته كشعر
تظل في التعبير بالصورة. فالصورة هي التي تميّز الشعر عن غيره من الفنون وبخاصة عن
فن النثر، فالشاعر راسم صور وليس صانع أوزان، وبمقدار ما تغيب الصورة في الشعر،
يقترب الكلام من النثر .. ألم يقل أرسطو .. وهو المعلم الأول:
"إن الشاعر والمؤرخ لا يختلفان من حيث إن أحدهما يكتب نظمًا بينما الآخر يكتب نثرًا
.. فتاريخ هيرودوت يمكن أن ينظم ومع ذلك يظل من فن التاريخ، ويستوي في ذلك أن يؤدّى
بالوزن أو بغير الوزن".
التعبير الجميل إذًا عن الشعور الصادق .. هما الركيزتان المحوريتان اللتان يقوم
عليهما فن الشعرر، تبقى بعدذ لك الصياغة التي تختلف من شعر عمودي تقليدي إلى شعر حر
جديد .. سواء في البحور أو القوافي أو الأوزان، ومهما يكن بينهما من اختلاف أو
خلاف، فالحقيقة الثابتة فنيًّا ونقديًّا هي أن الشعر الجديد باقتصاره على وحدة
التفعيلة دون وحدة القافية، ومحاولته جعل القصيدة كيانًا مستقلاً في ذاته، يكمن
مضمونه في صياغته الطليقة ولغته الحرة، لا في تشبثه بالتقفية والموسيقية والديباجة.
هذا فضلاً عن الأسلوب الغريب فيالأداء، الذي أصبح بما ينطوي عليه من تنافر وتضاد ..
وقلق وصراع .. وقطع وفجوات .. والذي يلفت الانتباه أكثر من سواه، حتى أصبح التباين
بين أسلوب التعبير وبين الشيء المعبر عنه من أهم قوانين هذا الشعر.
أقول إن الشعر الجديد – بهذا كله، وكثير غيره، استطاع أن يثبت نهائيًّا وبما لا يدع
مجالاً للشك، أن عمود الشعر الجديد قد أقيم، وأن معبد الشعر التقليدي قد توارى، وأن
وعاء هذا الشعر لم يعد قادرًا على احتواء الوجدان المركب الذي استجد في حياتنا بعد
الثورة.
وهكذا لم تكن كلاسيكية "شوقي" .. ولا رومانسية "ناجي" إلاّ تعبيرًا عن ذلك الانفصام
الكبير بين أشكال الشعر القديمة ومضمون الحياة الجديدة، بل أن ثورة الرومانسيين لم
تستطع أن تجدد من قوالب الشعر سوى الرباعيات والخماسيات وما شابهها من مقاطع ..
فأحلت وحدة المقطع الرومانسي محل وحدة البيت الكلاسيكي، ولكنها لم تتمكن من تحقيق
وحدة القصيدة وهي الدعامة الرئيسية التي يقوم عليها عمود الشعر الجديد.
على أنه مهما يكن من آفاق جديدة استطاع أن يجوبها الشعر الجديد، فالحقيقة الثابتة
فنيًّا ونقديًّا كذلك، هي أن هذا "الشعر الجديد" ظل قديمًا من حيث احتوائه على فصحى
اللغة وفصحى الأداء، فلغة القدامى أو المحدثين ظلت هي هي .. كل ما هنالك أنها وضعت
في شكل آخر جديد!
وبذلك أصبح "الشعر الجديد" رغم كل ما ينطوي عليه من ثورية وتجديد يمثل وجهًا من
وجوه الانفصالية بين لغة الشعر ومادة الحياة، أو بين قالب الفن ومحتواه، فهو في
أسعد الأحوال يعبر عن لغة المقال أكثر من تعبيره عن لغة الحال كما يقول البلاغيون.
وكان غريبًا حقًّا بعد أن تصدت الثورة لتفجير كل ما في الشعب من طاقات أدبية وفنية،
لم تكن تعرف كيف تفصح عن نفسها تحت وطأة الأدب الرسمي والفن الأكاديمي، ألا يظهر
تيار شعري آخر يفيد إلى أقصى حد من الانتصارات التي حققها الشعر الجديد، وبخاصة في
ثورته على بلاغة الشعر العربي الفخمة النبرة، المشرقة الديباجة، ذات الطابع
الميلودي أو الغنائي، والمونوفوني أو ذو الصوت الواحد، من أجل تحقيق الطابع
الهارموني أو الإيقاعي، والبوليفوني أو المتعدد الأصوات عن طريق نظام العروض الجديد
القائم على وحدة القصيدة بدلاً من وحدة البيت، وعلى نظام القافية المركب بدلاً من
نظام التقطيع البيتي العمودي.
أقول لم يكن غريبًا بل كان مما يتفق وطبائع الأشياء أن يظهر تيار شعري آخر أكثر
اقترابًا من لغة الشعب، وأكثر تعبيرًا عن هموم وأشواق رجل الشارع وإنسان الطريق،
بعد أن ردت الثورة للشعب اعتباره، واعترفت بفنونه الشعبية وتراثه الموروث، واستطاعت
الواقعية الاشتراكية أن تربط بين الأدب والمجتمع، وأن تزيل الصدع القائم بين صورة
الفن ومضمونه وبينهما وبين لغته في التعبير.
وكان من نتائج اتجاه الأدباء إلى الواقعية الاشتراكية، ازدياد الاهتمام بالتعبير
العامي، وخاصة في مجالات المسرح والرواية والقصة القصيرة، حيث أثبت كتاب المسرح من
أمثال نعمان عاشور ورشاد رشدي وألفريد فرج وسعد الدين وهبة ومحمود دياب وعلي سالم،
أن العامية أقدر من الفصحى على التعبير عن أغراض الكوميديا العالية بل والتراجيديا
الرفيعة، خاصة وأنهم إنما يستمدون موضوعاتهم من واقع المجتمع، ويصنعون عقدهم من
داخل البيئة، ويخلقون شخصياتهم من طينة الشعب، كما أثبت أدباء القصة أيضًا من أمثال
يوسف إدريس ومصطفى محمود ولطفي الخولي وعبد الله الطوخي وصبري موسى وفاروق منيب، أن
العامية هي الأصدق في التعبير عما يدور في رؤوسهم من أفكار وعما يختلج في أفئدتهم
من عواطف، وكلها أفكار وعواطف تستمد خامتها من حياة الشعب، وتتناول قضايا التغيير
الاجتماعي التي طرأت على حياتنا بعد الثورة.
في
أتون هذا الاختمار الجديد انبثق تيار الشعر العامي مواكبًا لتيار الشعر الحر من
ناحية، ومطوّرًا من ناحية أخرى لاتجاه الشعر الشعبي الذي استعمله بيرم التونسي في
العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، ولم يقدر له أن ينمو ويستمر لتواريه خجلاً
أمام الأدب الرسمي الذي لم يعترف به، ولم يتورع عن وصفه "بالزجل" كما لو كانت تلك
الصفة وصمة عار. وفرق كبير بين "الزجل" أو النظم العامي الذي هو أقرب إلى المقال
القصير أو الكاريكاتير الخفيف، وبين "الشعر العامي" بكل مستلزمات الشعر من تكثيف
للشعور، وتركيب للرؤيا، وتعميق للصورة. فالأمر إذًا ليس مجرد لغة تستبدل هنا وهناك
ومن وقت إلى آخر، وإنما الغة هنا في "الشعر العامي" جزء من خميرة الشعور الصادق،
وفي الوقت ذاته نسيج عضوي في بنية التعبير الجميل.
وأكثر من هذا، أننا لا نستطيع أن نحسب على مدرسة الشعر العامي كل من نظم بالعامية
حتى ولو كانوا من الشعراء .. فمثلاً أحمد شوقي وإسماعيل صبري وأحمد رامي، كتبوا
الأغاني التي نظموها بالعامية، ولكنها لم تصدر عن شعور عامي ووجدان شعبي، بمقدار ما
كانت صدى لثقافتهم الشعرية الفصحى، وتصورهم الشعري المأثور، من هنا كان الصدع
الشعري والشعوري معًا بين الذوق الذي اكتسبوه من شعرهم الفصيح الخاص، وبين محاولتهم
فرضه على الذوق الشعبي العام.
خذ
مثلاً هذه الصورة التي يحاول أن يرسمها أحمد شوقي:
الفجر شقشق وفاض على سواقي الخميلة
لمح .. كلمح البياض من العيون الجميلة
فالشاعر هنا لم يصدر عن تجربة حية أو معايشة حقيقية. وإلا كيف يمكن للفجر بعد أن
شقشق ثم فاض حتى ملأ الدنيا نورًا، أن يعود "فيلمح" .. مجرد يلمح؟ وكلمة البياض، أي
كلمح الخيط الأبيض من الأسود من الفجر! فالصورة هنا زائفة لأن "اللمحان" لا يتأتى
إلا في العتمة، وإنما الرؤية هي التي تتم في وضح النهار.
وإنما الذي يجعل الشاعر يزل في هذا الوصف، ويخطئ في رسم هذه الصورة، هو أنه لم يصدر
عن رؤية ذاتية حية، ولكنه صدر عن رنين اللفظ كما وعته أذنه وكما صاغه على نهج
القدامى، فالصورة المرئية كما تدركها حاسة البصر لا تهم، بمقدار ما يهم الجرس
الموسيقي الذي يعتمد حاسة السمع، ويغترف من المحصول السماعي لدى القدماء.
خذ
أيضًا "الحالة" التي يحاول أن يعبر عنها أحمد رامي:
العمر فات في أمل وخيال والقلب مات من كتر ما مال
وفضلت بعد الملل عندي أمل في الأمل
فهنا أيضًا لم يصدر الشاعر خبرة ذاتية أو معاناة خاصة، وإنما جنح إلى المبالغة أو
الإحالة المعروفة في الشعر الفصيح، والتي لا تعبر عن حالة شعورية بمقدار ما تكشف عن
ذوق صاحبها الذي اكتسبه من قراءة الشعر العربي، وصاغه على غرار شعرائه القدامى، دون
أن يكون للعامية هنا أي معنى أو ضرورة. ففي حالة واحدة جعل العمر"يفوت" .. وجعل
القلب "يموت"، وفي نفس الحالة جمع بين الميل والملل، بل استطاع أن يجمع في شطرة
واحدة بين الأمل والأمل!
وكلها مشاعر لا يمكن أن تصدر عن تجربة حقيقية صادقة، لأن اجتماعها في حالة واحدة
يكاد يكون مستحيلاً.
ولكن ماذا على الشاعر، وقد استراح إلى رصف هذه الألفاظ بعضها إلى جوار البعض الآخر،
لفظة "فات" وراءها لفظة "مات" ولفظة "الملل" تجيء بعدها لفظة "الأمل" بل أن لفظة
"الأمل تجيء في الشطر الواحد مرتين! المهم هو موسيقى الألفاظ في الأذن. ورنين
الكلمات في الأسماع، والجرس العذب الإيقاع بصرف النظر عن اتساقه مع الواقع أو
انطباقه على حقيقة الحال، وبصرف النظر أيضًا عما فيه من تلاعب بالألفاظ يؤدي إلى
الغموض والإبهام بالنسبة للذوق الشعبي أو للسليقة الشعبية بوجه عام.
إن
القرحة الكبرى في معدة الشعر المصري هو أنه لم يتفق لمصر حتى قيام الثورة، لم يتفق
لها عصر نطقت فيه روحها الشعبية بأعلى صوت وأجلى تعبير، لتتعرف على ملامحها
الحقيقية بلا خجل ولا استحياء، محاولة في الوقت ذاته وبكل جرأة وكبرياء أن تطوّر
هذه الملامح إلى المستوى الذوقي والجمالي الحديث.
والسبب في ذلك هو ما عانته مصر على امتداد خمسة آلاف عام من حكم الحكام المنعزلين
عن الشعب، وما أدت إليه هذه المساحة الزمنية العريضة من إقامة عزلة حادة بين الشعب
والحكومة، وفوارق دائمة بين الحياة الشعبية والحياة الرسمية، حتى نتج عن ذلك أن
أصبح لمصر لغتان .. لغة تحيا بها وتعيش وتمارس حياتها اليومية هي "العامية" ولغة
تفكر بها وتعبّر وتقضي طقوسها الرسمية وهي "الفصحى".
وبالتالي أصبح لها أدبان على حد تعبير النقاد .. "أدب مطبوع غير مصقول" و"أدب مصقول
غير مطبوع".
وتلك هي محنة الأدب أو الشعر في مصر. فلا هو شعر غربي مصفى تمامًا من ماضي النيل،
ولا هو شعر مصري صادر عن السليقة المصرية، معبر عن الطبيعة الشعبية، مسجل لمزاج
الشعب ولغته الخاصة في الفن والتعبير.
حتى "بنتاؤر" شاعر مصر القديمة، لم يكن شاعر الشعب، ولا صوت الحياة المصرية، وإنما
كان شاعر فرعون أو شاعر الكهان، بكل ما ينطوي عليه مثل هذا الشعر من طقوس دينية
ومراسيم ملكية، لا أثر فيها لهموم الشعب أو ظروف الحياة.
ومثل هذا يقال على توالي العصور وتتابع الحكام، حيث لم يكن الشاعر المصري قادرًا لا
على التعبير عن سليقة شعبه، ولا على استعمال لغة هذا الشعب في التعبير، وإنما كان
مضطرًّا إلى مجاراة الحكام وكبار الرسميين، ومضطرًا بالتالي إلى التقليد والمحاكاة
في شعره، وإلى استعمال اللغة الفصحى في صياغة هذا الشعر.
والغريب حقًّا أنّنا في الوقت الذي لا نكاد نجد فيه شعرًا مصريًّا أصيلاً عند أمثال
هؤلاء الشعراء، نجد هذا الشعر غزيرًا وفيرًا على طول ريف مصر، وفي دهاليز الأحياء
الشعبية، تترنم به الطبيعة المصرية بعفوية وتلقائية وصدق، سواء في شكل الأغاني أو
الملاحم أو الأناشيد التي استطاعت أن تسجل لنا كل حادث في حياة هذا الشعب، وطريقة
هذا الشعب في الاستجابة لحوادث الأيام.
ونقرأ الأغاني الشعبية التي حفظتها لنا الآثار على امتداد تاريخ مصر، فإذا هي أروع
تعبير عن مزاج الشعب المصري .. ففيها الحزن المرح أو المرح الحزين، وفيها حكمة
الحياة وعمق الإيمان، وفيها شكوى العيش والخوف من المجهول، وفيها كل ما يدل على
قريحة المصريين وشاعريتهم، وما يجعل منها في النهاية "ديوان هذا الشعب".
شاعرية الشعب المصري إذًا وأصالته، تلتمس أكثر ما تلمس في ملامحه وأناشيده وأغانيه
الشعبية، وتلك حقيقة مان التوفيق أن تنبه لها الشاعر العامي الحديث فحاول أن يغترف
منها، وأن يصدر عنها، مطوّرًا إياها إلى المفاهيم الذوقية والجمالية المعاصرة.
ومن هنا لا من هناك ولا من أي مكان آخر نشأت مدرسة الشعر الشعبي التي كان بيرم
التونسي رائدها الأول، وفيما بعد الثورة ظهرت كوكبة من الشعراء حاولت أن تجدد شباب
هذه المدرسة، وأن تحيي بيرم من جديد، واستطاعت هذه الكوكبة بفضل القوى الخلاقة
التي فجرتها القورة أن تقيم عمود الشعر العامي، وأن تمده بممكنات التطور
والاستمرار. وكان أمير شعرائها بلا منازرع "صلاح جاهين" الذي أثبت بالديوان وراء
الديوان أصالة الشعر العامي، ومن بعده "عبد الرحمن الأبنودي" الذي مضى في نفس
الاتجاه مع تنوع في الرؤى، وتعدد في الإيقاعات، ومن بعدهما "مجدي نجيب" الذي استطاع
أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الشعر العامي الجديد.
وصحيح أن كلا من فؤاد حداد ونجيب سرور، كان بهما سبق ما في هذا الطريق، ولكنه السبق
التاريخي الذي يجعل منهما إرهاصًا بهذا اللون من ألوان الشعر، على نحو ما كان فريد
أبو حديد وعلي أحمد باكثير بتجاربهما في "الشعر المرسل" إرهاصًا بالشعر الحر أو
الشعر الجديد، الذي حمل لواءه بعد ذلك عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور وأحمد
عبد المعطي حجازي.
وليس أدل على ذلك من اتجاه فؤاد حداد فيما بعد إلى الترجمة بشكل عام، وصياغة بعض
المسرحيات الأجنبية بالشعر العامي، فلم تعد علاقته بهذا الشعر سوى "دندنات" يتردد
رجع صداها من بعيد، كأنها أنّات أرغول حابي يذرع بها جنبات الوادي.
كذلك اتجه نجيب سرور إلى الشعر التمثيلي أو المسرح الشعري، بعد أن أدرك أن الشعر
العربي الكلاسيكي إنما تصلح بحوره للشعر الغنائي أو الميلودي ولا تصلح للشعر
التمثيلي أو الدرامي على عكس ما في الشعر الجديد"، وخاصة إذا انتقل بهذا الشعر
الجديد من فصحى الأداء إلى عامية التعبير، ولو أن نجيب سرور أصبح في النهاية مجرد
شفق حزين.
ونعود إلى فرسان الشعر العامي الثلاثة: صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي ومجدي
نجيب، مسقطين من عداهم ممن ليسوا من اصحاب الدواوين، أو ممن هم "وحيدو" الديوان
وليس لهم سوى ديوان واحد، لنقول أنهم على الرغم مما بينهم من فروق فردية استطاعوا
بحق أن يزرعوا الأشعار العامية في حقول حياتنا الثقافية، وأن يفضوا بكارة التركة
الموروثة من الموال المصري والشعر الشعبي ولاملاحم الفولكلورية بما فيها من أناشيد
دينية وأساطير قومية وأغاني مناسبات، وأن يكشفوا في النهاية عن وجه مصر!
وقد أسهم كل منهم في إقامة عمود الشعر العامي، وبلورة شكل القصيدة العامية الجديدة،
أما صلاح جاهين فقد غلبت عليه العبارة الغنائية، والتي تغني لطوائف الشعب المختلفة
أغنيات التفاؤل والأمل في المستقبل، وأما الأبنودي فقد غلبت عليه الفكرة
الأيديولوجية، التي تنهل من تراث الشعر الشعبي لتصدر عنه بنوع من التفاؤل القاتم أو
الأمل الحزين، وأما مجدي نجيب فتغلب عليه الصورة التشكيلية مع رؤيا نضالية عمادها
الحب والغناء والفرح بالحياة.
وإن جاز لنا أن نميّز بين كل من هؤلاء الثلاثة استطعنا أن نقول إن صلاح جاهين هو
الأشعار التي تغلب على ما فيه من أفكار، فأنت تقرأه كما لو كنت تشاهد مسرحية
تراجيدية، أما مجدي نجيب فهو الأشعار التي تتوازن مع ما فيه من أفكار، فما فيه من
شعر على قدر ما فيه من فكر دون نقص هنا أو زيادة هناك، فأنا تقرأه كما لوكنت تشاهد
مسرحية تراجيكوميدية من النوع الحديث.
بعبارة أخرى نقول إنه إذا كانت قراءة صلاح جاهين كما القراءة في ضوء مصباح، وقراءة
عبد الرحمن الأبنودي كما القراءة في ضوء شمعة، فإن قراءة مجدي نجيب هي القراءة في
وضح النهار!
والحقيقة أن هذا الشاعر الأخير قطع رحلة غير قصيرة وأيضًا غير يسيرة في مسيرته
الصاعدة على طريق الشعر العامي، حتى استطاع من خلال ديوانه الثالث "ليالي الزمن
المنسي" الذي جاء بعد ديوانيه .. الأول "صهد الشتا" والثاني "الحب في زمن الحرب" أن
يدخل مرحلة النضوج الفني والفكري، وأن يثبت جدارته في احتلال الضلع الثالث من أضلاع
هذا الثالوث.
ونظرة ولو عابرة على دواوينه الثلاثة نستطيع أن نميز فيها بين مرحلتين .. المرحلة
الأولى هي التي يمكن أن نسميها بـ "شعر الذات" ويمكن تسمية المرحلة الثانية بـ "شعر
الموضوع". المرحلة الأولى قطعها الشاعر بديوانيه الأول والثاني، والمرحلة الثانية
هي التي استهلها بديوانه الثالث والجديد.
والذي أقصده بـ "شعر الذات" هو أن الشاعر كان يتخذ مادة شعره من تجاربه الخاصة
وخبراته الوجودية، كان يعبر عن آلامه وآماله، عن همومه وأشواقه، عن أفراحه وأحزانه،
عن جراحاته المخزونة من أيام الصبا والشباب وكيف كان يستنزف هذه الجراحات جرحًا بعد
جرح، وقطرة وراء قطرة:
ولاقيكي في عيون الجرح
ولاقيكي في صلوات الفرح
وأقراكي في صلوات الصفح
نتقابل في طريق الغربا
نتقابل .. والجرح محبه
نتغرّب أغراب أو صحبه
وفي سوق الدنيا بنتقابل
وقد يمزج الشاعر حبه بحب أكبر، يسكب جراحاته على صدره، ويريق أحزانه في حضنه، ويبكي
في عينيه وفي كل خلاياه، ولكن هذا الحب الأكبر لا يلبث أن يشي بذات الشاعر، وهو
الذي يحاول أن يسقط حبه الشخصي على حبه لمصر، يرى فيها ما لاقاه مع حبيبته من حب ..
وحرب:
وكنت ألاقيكي
أمي وحبيبتي .. وتلاقيني
ابنك .. ضناكي، ونتلاقى
ونمشي من تاني مشوارنا الطويل
مره شوك .. نحصده
ومره حب .. بإيدينا نزرعه
وإن ما كانش بنوجده.
وسرعان ما يرتد الشاعر إلى "وحدته" فيغني بحرارة، ويتغنّى بحرارة، وينتقل من
المرارة إلى الكآبة أو الحزن العميق، وكأنما يجعل من أشجانه شاهدًا على قبر الحياة
بعد أن دارى دمعته طويلاً .. طويلاً .. في عيون الآخرين، وبعد أن كان الحب .. شوق
الإنسان، فأصبحت الحرب قدر الإنسان:
يا
وحدتي ..
ظهر القمر
بينخ فوق ضهر الولاد
وشه الحزين .. لامس شفايف وردتي
ملّس على كتافي ورقد
يا
وحدتي .. وكئني لسه بتولد.
وقد يتطوّر الشاعر في هذين الديوانين من "الرباعية الشعرية" إلى "السوناتا
الغنائية" إلى مغازلة القصيدة الملحمية محاولاً بذلك أن ينتقل بشعره من نطاق
الميلوديا الغنائية بدائرتها المحدودة، إلى آفاق "الدراما الملحمية" بمجالها غير
المحدود، كما في قصيدته الطويلة "أيوب" التي أنهى بها ديوانه الثاني "الحب في زمن
الحرب".
ولكن هذه القصيدة تظل بعيدة عن البناء الملحمي، لأنها مجموعة من القصائد الفرادي
ذات الطابع الغنائي لا تجمعها وحدة الموضوع، وإن استظلها مناخ واحد، فضلاً عما فيها
من مجاراة للشعر الجديد في استخدامه للأساطير الشعبية كأسلوب من الأساليب الدرامية
في التعبير.
على أنه إذا كانت الأسطورة في الشعر كالرمز سواءً بسواء، لا بد لها من السياق
الشعري والشعوري الذي ترد فيه ومنه تستمد دلالتها وقوتها على التأثير، دون أن يكون
هناك أي فرق بين الشخصيات التي دخلت الأسطورة على مر الزمن، والشخصيات العصرية التي
يمكننا أن نخلع عليها الرداء العصري، فهذا ما حاوله مجدي نجيب في ديوانه الثالث
"ليالي الزمن المنسي" الذي اقترب فيه من روح الملحمة، وإن يسعفه بعد البناء
الملحمي.
فالديوان من أوله إلى آخره عمل واحد، يحكي تاريخ نضالنا الشعبي على امتداد السنين
فتتداخل فيه الرؤى وتتشابك المصائر، وتتصارع الأقدار، بحيث يتألف في مجموعه من عدد
من الرموز والشخصيات والأحداث المتداخلة التي يحكمها منطقها الداخلي الخاص، والتي
يجسد فيها الشعر وجهة نظره الشاملة بإزاء الواقع الخارجي أو الحياة بشكل عام.
وبذلك يتم له الانتقال إلى المرحلة التي سميناها بـ "شعر الموضوع" والتي انتقل فيها
الشاعر من التجربة الذاتية الخاصة إلى الخبرة الكلية العامة، أو من جزئيات الواقع
إلى كليات الحياة، فبعد أن كان الشاعر يحدثنا عن نفسه، وعن حياته وعن استجاباته
للأشخاص والأشياء والأحداث، أصبح يحدثنا عن النضال والثورة، وعن الأبطال والشهداء،
عن الكفاح والتاريخ، وهو في كل هذا أو من خلال هذا كله يدلي برأيه في معركة
التاريخ، ويفصح عن رؤيته لدراما الحياة.
وهو لا يكتفي بإبداء الرأي والرؤية، ولكنه يحاول أن يلتمس الطريق إلى الخلاص، بعد
أن أدرك أن "صهد الشتا" وحده لا يكفي لأنه مجرد دخان في الهواء، وأن "الحب في زمن
الحرب" أيضًا لا يكفي لأنه مجرد دخان في الهواء، وأن "الحب في زمن الحرب" أيضًا لا
يكفي لأنه نوع من الهروب أو الفرار، وإنما الخلاص لا يكون إلا بالمواجهة .. مواجهة
"الزمن المنسي" وإشعال الثورة في ظلام لياليه، لينبلج منها ضوء النهار.
وحين يقول مجدي نجيب في مطلع هذا الديوان:
باهرب في الزمن المنسي
باهرب وفي صدري رصاصه
باهرب من ليلة عُرسي
واهدم أفراحي الكدَّابه
في
ليالي الأنسِ
باهرب .. في الزمن المنسي
وأشوف ..
فهو لا يقصد " الهروب" بمعنى الفرار اليائس أو الانسحاب الحزين، وإنما يقصد العودة
إلى الوراء، للمراجعة وإعادة النظر، إنه يريد أن يرى أوسع من حدقته، ويريد أن يبصر
أبعد مما ترى عيناه، وهي ارتدادة الجريح الذي أصابته رصاصة، وليست غيبة الصريع أو
الشهيد، فضلاً عن أنها الارتدادة إلى "ليالي الأنس" أو ليالي الفن على طريقة
الإنسان المصري في مواجهته للأشياء واستجابته للأمور، فإذا قهرته الظروف، ودهمته
الكآبة، لجأ إلى النكتة والفكاهة والمرح ليزيح عن نفسه تجاعيد الحياة، ويستعيد
"الزمن المنسي"، وهذا هو معنى قوله في النهاية:
وأشوف ..
ناس بيحبوا بعص وحبهم مكشوف
لكن بيجمعهم في النهايه .. حب بعض
حب
التراب والأرض
على أنه إذا زادت الآلام، والتهمت العتمة نافورة الضياء، وتمدد الظلام في البيوت
وفي القلوب، ولم يعد الفن قادرًا على امتصاص قطرات الحزن الدفين، وتوارى الأمل
كسيحًا لا يقوى على السير، ضريرًا لا يقدر على الإبصار:
والأمل ماشي بيتطوّح على الطرقات ضرير
مين يمسكه من إيده
مين لنا يعيده
ويخطّي بيه النور
لجأ الإنسان المصري إلى "الدين" حيث العبادة والصلاة، يتخذها درعًا يحافظ به على
توازنه الداخلي بعد أن إهترأ أمامه الواقع الخارجي، وفقدت الأشياء رشدها. ولكنه لا
يلجأ إلى الدين على سبيل الهروب والفرار، ولكن كأسلوب من أساليب مقاومة الظلم الذي
يعربد في الطرقات، والظلام الذي يلبد في الحدائق، والقهر الذي يعشش في الأوكار،
لذلك فالصلاة هنا لكل شيء .. لله .. للإنسان .. للحياة:
آخدك وأصلي صلاة الغفران
وأصلي صلاة الحب
وأصلي صلاة الأحزان
وأصلي صلاة الفرح
أما إذا اشتدَّ الظلم، وفاض الظلام، واحتضر بصيص الأمل على جبين الرجال، ودبلت
البسمة في عيون الصغار، تفجرت في أعمال الإنسان المصري نوافير السخط والغضب. ولم
يجد سوى الصورة بديلاً عن "الفن" و"الدين" سبيلاً أوحد للخلاص:
وزي أي يوم في تاريخنا الطويل
التقى نفسه بجسمه الرقيق النحيل
وسط مظاهره بتهتف
ضد
الإنجليز والملك والقصر
"تحيا مصر .. تحيا مصر"!
الفن والدين والثورة إذًا هي المحاور الرئيسية الثلاثة التي يدور عليها نشاط
الإنسان المصري منذ آلاف السنين في مواجهته للظروف واستجابته للأحداث، وهو ما أدركه
مجدي نجيب بوعي أصيل في الديوان.
والديوان من أوله إلى آخره قصيدة واحدة أو بالأخرى موحدة .. تدور حول نضال شعبنا
على امتداد السنين ومرور الأيام، نضاله ضد قوى الظلم والظلام، ضد من ينحرون أمنياته
ويذبحون أغنياته ويستحمون بدمه الحي، وعلى ضفاف نضاله المرير ولكن بصلابة، الأليم
ولكن بعناد. يصوّر لنا الشاعر كيف أنه كلما سقط جسد من أجساد الشهداء ارتفعت راية
من رايات الروح.
وهو في تصويره للمعارك التي خاضتها جماهير شعبنا المصري، والشهداء الذين فاضت
دماؤهم على أرض الوادي، لا يحتفل بالمعارك التقليدية التي تسجلها كتب التاريخ، ولا
يحفل بالانتصارات الحربية التي تعزي إلى القواد والقادة، وإنما الذي يستوقفه حقًّا
هو تلك المواقف الشعبية الرائعة في حياة هذا الشعب .. المواقف التي وقعت في القرى
والنجوع، في العزب والكفور، في الأزقة والحواري، في الأحياء والميادين، وهناك في
عمق الوادي وعلى ضفاف الكنال.
كما يقف أمام البطل العادي .. الإنسان المصري البسيط الذي تضعه الظروف في مواقف
بعينها، فتتفجر فيه كل قوى الأصالة والشرف ليدافع عن أرضه وعرضه، فلا يملك إلا أن
تصنع منه الظروف بطلاً، وقد يكون هذا البطل طالبًا أو عاملاً، نفرًا أو فلاحًا،
مدرسًا أو ابن بلد وقد يكون أيضًا هو أم صابر. وهكذا يصوّر لنا مجدي نجيب البطولة
والنبل من خلال مدرسة بحر البقر .. أشرف وحسنين وزغلول، العصافير الصغار التي لا
تزال أجنحتها هناك ترفرف فوق بساط الريح، بعد أن أطفا وجه الشمس رماد البارود، وعفر
وجه القرية دخان الطائرات.
ومن خلال كوبري الجيزة حيث سقط "عبد الحكيم الجراحي" الطالب الجامعي الذي كان يحب
العلم، ويحب السلام، ويحب الخضرة، ويحب حبيبته أروع الحب.
كانت خطوته .. فجر فوق جبين الليل
كانت بسمته
زي
ضحكه بتحلم
تبوس النيل
وكانت نظرته
فرحانه .. حيرانه .. سهرانه
زي
جرح الليالي في حنك مواويل
وكان شامخ
زي
ما يعيش الشموخ على دراع النخيل
ومن خلال معركة دمنهور أيام الفرنساوية، حيث سقط من الرجال ألف وخمسمائة من بينهم
محمد المهدي. فرد من آلاف الأفراد، لم يبخل بروحه من أجل الأرض، ولا بحياته من أجل
العرض، فمات وابتسامته فجر فوق جبين الليل الطويل.
ومن خلال شط القنال، والرجال الذين لوّنت دماؤهم مياه البحر .. ومن بينهم "جواد
حسني" واحد من الأبطال، و"جلال الدسوقي" بطل كغيره من الأبطال، و"عبد المنعم رياض"
بطل ككل الأبطال وغيرهم .. وغيرهم .. ماتوا وعلى وجوههم ابتسامة الفرح الحزين،
الابتسامة التي تعلو جبين الشهيد:
الولد مصري وكان أبوه .. مصري
وشهم زي ناس الصعيد .. وناس بحري
عيونه صافيه .. وصافيه
زي
صبح أخضر غيطاني، ع الغيطان صافيه
ودراعه مجدافين صغيرين في بحر الحلم
إنه "نبيل منصور" بطل القنال ومعارك القنال، الذي ترك مدرسته وكراساته، ورفض أن
يزرع كلماته إلا على أرض الوطن الحر، وآخر إلا أن يعطي الإنجليز درسًا في التضحية
ونكران الذات.
وكثيرون غير أولئك وهؤلاء، بينهم "مصطفى البشتيلي" و"أحمد عبد العزيز" و"محمد كامل"
و"حسني حمَّاد" و"مصطفى راجح" و"حسن طوبار" و"أحمد عصمت" و"حجاج الخضري" و"يوسف
سليم" و"عيسى سالم" و"زهران" من قرية دانشواي و"أم صابر" .. أمي وأمك وأم الآخرين:
ناس أكيد ما عرفتش طعم الفرح
لكنهم عرفم أكيد طعم العرق .. والشقا والتعب
وعشان كده
طالعين كما بركان غضب
لأجل قمحتهم وقطنهم
يفضل لهم
شمس ودهب
وعندما يذكر الشاعر بطلاً من أبطال تاريخنا المدوّن أو المكتوب، لا يذكر إلا أؤلئك
الذين كانوا أقرب إلى الشعب أو كانوا من قاع المدينة وجوف القرية، فهو يذكر الشيخ
محمد كريم، والشيخ عمر مكرم، والشيخ السادات، ويذكر عبد الله النديم، فهم عنده مثل
عليا شعبية لم يحرص الواحد منهم على ماله أو جاهه، على داره أو أولاده، على ما كان
وما يمكن أن يكون، وإنما وهب حياته وفاءً للشعب كما كان المصريون القدامى يهبون
أجمل بناتهم وفاءً للنيل، فكل شيء يهون إلا الكلمة التي بها يكون "الرجل" وبدونها
لا يكون، والتي يقول بها "لا" في وجه من يقولون "نعم":
لأ
.. لأ .. لأ
يعدُّوا فوق ضحكته
يدوسوا فوق فرحته
يضربوا بالرصاص يا ناس جبهته
ممكن ولكن لا ..
ما
يعدُّوا فوق كلمته
وكأن كلمة "لا" هذه، عندما يقولها بطل من أبطال مصر، هي نفسها كلمة "لا" عندما
يقولها الله!
على أنه إذا كان الفن والدين والثورة هي المحاور الرئيسية الثلاثة التي أدار عليها
مجدي نجيب مضامين ديوانه الجديد، فثمة ملاحظة هامة أدركها هذا الشاعر تكشف عن جوهر
الشخصية المصرية الشعبية من ناحية، فالمصري في إجاباته واستجاباته يميّز بطابع
المحافظة أو الاعتدال، هذا الطابع هو الذي جعله ينظر بحذر إلى كل اتجاه فيه تعصب أو
تطرف، فلم تسكره خمر العقائدية، ولم يندفع في عنف نحو الثورية، وإنما ظل محافظًا
على توازنه الحضاري على مر العصور، فلم يحاول تشخيص الله، كما يحاول تأليه فرد من
البشر، حتى فرعون لم يؤلهه المصريون في العصور السحيقة، وإنما جعلوا منه مثلاً
أعلى، تمامًا كما جعلوا في الصور القريبة من المتصوف قطبًا من الأقطاب.
هذا المزاج المعتدل هو الذي ساعد المصريين على أن يجتازوا طريقهم عبر التاريخ
المديد، فواجهوا غارات المحتل الأجنبي الغاصب من الفرس والرومان، إلى المغاربة
والأكراد، إلى المماليك والعثمانيين، إلى الفرنسيين والإنجليز لا بالتقوقع المرادف
للفناء، ولا بالجموح الذي قد يحرقهم إلى رماد، ولكن بالتمسك بأرضهم الطيبة، وشمسهم
المشرقة، ونيلها الجاري، فضلاً عن طبيعتهم السمحة وروحهم الأصيل.
وهذا ما حمانا كأمة في أظلم العصور، وجعلنا نبدو كمن لا يكترثون بسفح الزمن، ولكنهم
يعانقون فوهة الخلود، وهل أروع في التعبير عن هذا كله من قول صاحب هذا الديوان:
على ضفتك يا نيل
مشيو .. كتير الناس
ومن ميّتك يا نيل
شربوا كتير الناس
وناس راحوا مع ناس
وناس جم .. وناس ودَّعُوا ناس
وانت اللي باقي كما الأب الحنيِّن
زي
فرسان اللقا .. وشجاع
لا
بتودَّع في حد
ولا بتعرف في الوداع
على أن هذه النقطة نفسها التي جعلت مجدي نجيب يضع كلتا يديه على الذات المصرية،
مؤكدًا نضوجه الفكري بالنسبة لديوانيه السابقين، وهي نفسها النقطة التي أكسبت شعره
نكهة جديدة ومذاقًا خاصًّا، لكي تؤكد على الوجه الآخر نضوجه الفني.
فإذا كان "الاعتدال" هو التعبير عن المزاج المصري، وعن التكوين النفسي لدى
المصريين، وهو ما نلحظه بشكل واضح في الأغاني الشعبية التي ينشدها الفلاح المصري
على طول ريف مصر، والتي يتضح فيها ذلك المرح الحزين أو الحزن المرح، فضلاً عن
السرور المتألم أو الألم السار، فهو في وحدته على الجسر أو في تجمعه في السمر،
يعول على الأرغول، فتصدر عن عويله تلك النشوى الحزينة، وذلك الفرح الأليم، حيث
تختلط كل حلاوة الدنيا بكل مرارة الأيام ..
أقول إنه إذا كانت تلك هي خصائص المزاج المصري في أصالته وبكارته وطهارته الأولى،
فهي نفسها خصائص الكثير من أغنيات مجدي نجيب الشعرية أو الشاعرية، أسمعه يقول:
جرى اللي جرى يا ناس ما كنت بيه داري
أنا بعد يا ناس .. ما كنت أستر ع العيوب داري
حلفت والله إن نصفني زماني
لاركب جوادي .. وآخد م العدا تاري
وإن خدت تاري
يروح عاري
وأعيش عرفان باللي حصل .. وكمان
باللي كان جوه الزمان مخفي ومتداري
لترى كيف اجتمعت حلاوة الدنيا بمرارة الأيام، وكيف تلاقى الفرح الأليم بالنشوى
الحزينة، وكيف التقت غفلة الحياة بالحنين إلى المجهول. وتلك كما يقول العقاد: "هي
خصائص الروح المصرية في الصميم، لأنها تتراوح بين طرفي المزاج المصري من الكآبة
الساهية والمرح الراقص، فأنت تبطئ في إنشادها فتغلبك الكآبة، وتسرع في الإنشاد
فيغلبك المرح".
فإذا تركنا الطابع الغنائي في شعر مجدي نجيب، وهو أحد شطري نضوجه الفني في هذا
الديوان، وانتقلنا إلى الشطر الثاني لوجدناه في الطابع التشكيلي أو الصورة
التشكيلية، فبمقدار ما هو صانع أنغام نجده أيضًا وربما أكثر راسم صور، فالصورة هي
أول ما يقع عليه بصر الشاعر، ثم يترجمها بعد ذلك إلى ألفاظ وكلمات، صحيح أن الألفاظ
أو الكلمات تجيء بعد ذلك مموسقة أو مغناة، ولكنها أصلاً تصدر عن صورة مرئية أدركها
الشاعر بحاسة البصر، أكثر منها صورة سمعية التقطها بحاسة السمع، فنقطة البدء عنده
وهو يهم بنظم القصيدة من شعره، أن ترتسم في عينيه صورة، يستمد عناصرها مما يراه، ثم
يعبر عنها بعد ذلك بالكلمات التي يصوغعا بما يتسق وموسيقى السمع أو رنين اللفظ، فهو
يفكر بالصورة، وإن عبر بعد ذلك بالموسيقى:
قاعدين الولاد فوق التخت يتعلموا التاريخ
وبيكتبوا تواريخ كفاح الجد والأهل والأصحاب
هنا حبوا البشر بعضهم
هنا خطاويهم
كانت رئة الفجر،
كانت شراع للأمل دايمًا خطاويهم
قاعدين الولاد فوق التخت في إيديهم الألوان
بيلوّنوا الأحزان.
فهنا الصورة الشعرية أقرب ما تكون إلى اللوحة التشكيلية التي يرسمها الفنان، بل
واللوحة الواقعية التي يستمد جزئياتها من واقعنا الخارجي: التخت والكراسات والشراع
والألوان، بل إن اهتمامه باللون والخط والتكوين، يجعلك تحس وأنت تقرأ الصورة، أن
الشاعر يرسم أكثر مما يكتب، أو هو يكتب الفكرة بالصورة، أو هو باختصار يرسم
بالكلمات.
وعلى ذلك فالقصيدة من قصائد هذا الديوان لا تقرأ فقط، وإنما تقرأ وترى، وتسمع في
كثير من الأحيان!
وربما كان أهم ما يلاحظ على هذا الديوان أنه واحدي القصيدة، أو هو ديوان يكاد يقع
في قصيدة واحدة، فلا نجد فيه ذلك التبويب التقليدي الذي يفصل بين قصيدة في الحب،
وقصيدة في الحرب، وقصيدة في الموت، وقصيدة في الإنسان، وقصيدة في السلام، ما
اعتدناه عند كثير من الشعراء، أؤلئك الذين يعتمدون إلى تجزيء الحياة فيأخذون منها
قطاعات طولية أو عرضية، وإنما الديوان هنا حريص على تكامل الحياة، ذلك التكامل
العضوي، وإن أعطى لوحة مصغرة من هذه الحياة.
وعلى ذلك فجميع هذه الأعراض الشعرية لا نجد كلا منها في قصيدة على حدة، وإنما نجدها
جميعًا في هذه القصيدة الطويلة مرة واحدة.
وبعد .. فهذا شاعر من شعراء المدرسة الحديثة في الشعر العامي، وهي المدرسة التي
جددت تيار هذا الشعر في مصر بعد أن سكت أرغول بيرم التونسي وتوقف عن العويل
والغناء، وبعد أن أفادت من ثورتنا الاجتماعية الكبرى التي أطلقت العنان لكل الطاقات
كي تفكر وتعبر ويتردد فكرها وتعبيرها بطول الوادي وعرض الدلتا وعمق التاريخ، وبعد
أن واكبت وتجاوبت مع ثورة الشعر الجديد التي قادها عبد الرحمن الشرقاوي في طوالع
الخمسينات، على تقاليد الشعرين .. الكلاسيكي والرومانسي معًا، وهي الثورة التي عرفت
بثورة العروض على عمود الشعر العربي التقليدي، والتي استجاب لها شاعر بعد شاعر حتى
التفت حولها كتيبة بأكملها من شباب الشعر الجديد في مصر.
ولكن مدرسة الشعر العامي، أو الشعر الشعبي كما يقال لها في بعض الأحيان، بعد أن
فرضت نفسها على الوجدان الشعبي بوجه عام، ووجدان الكثرة المثقفة بوجه خاص، وبعد أن
رفضت تقاليد الشعر العربي القديم وهي التقاليد القائمة على وحدة البيت، ووحدة
القافية، ووحدة الصوت ووحدة المازورة، واستبدلت هذا كله بوحدة القصيدة التي تموج
بالروي المختلف، وبالأصوات المختلفة، وبالأوتار المختلفة، وبعد أو وظفت هذا الجديد
في شعرها العامي الجديد، في ذلك الفيض الهائل من الأناشيد، والأغاني الشعبية
والملاحم والأوبريتات الاستعراضية، فضلاً عن المسرح الشعري العامي، لا تزال تجد
نفسها وهي المدرسة الرافضة للقديم، مدرسة مرفوضة من أنصار القديم، بل ومختلف حولها
حتى من أنصار الشعر الجديد.
على أنه إذا كان رفض المدرسة التقليدية للشعر العامي واضحًا ومفهومًا، لأن يقوم على
نفس الأسباب التي يقوم عليها رفضها لشعر العمود الجديد، واعتباره إلى النثر أقرب
منه إلى الشعر، فضلاً عن نظرتها إلى الشعر العامي – لمجرد لهجته العامية – على أنه
ليس بشعر ولا نثر لأنه ليس بفن على الإطلاق، فهو في عرفهم من "الفنون التي إعرابها
لحْن، وفصاحتها لكْن، وقوة لفظها وهن، حلال الإعراب بها حرام، وصحة اللفظ بها سقام،
يتجدد حسنها إذا زادت خلاعة، وتضعف صنعتها إذا أودعت من النحو صناعة". كما وصفه أحد
النحاة من أساطين الشعر الفصيح.
أقول إنه إذا كان رفض التقليديين لهذا الشعر واضحًا ومفهومًا، رغم خطورة هذا الموقف
الذي يشترط لغتين للتعبير، إحداهما للخاصة أو للتدوين الأدبي، والأخرى للعامة أو
لمجموع الشعب، الأولى نكتب بها ونسجل وندوّن، أما الأخرى فنعيش بها ونتخاطب، نفرح
ونحزن ونغني.
إذا كان هذا هو موقف شعر العمود التقليدي، فكيف يمكن لشعر العمود الجديد، وهو الذي
عانى ولا يزال يعاني من الموقف الرسمي أو الأكاديمي، فضلاً عن ثورته على شكل الشعر
التقليدي ومضمونه معًا، أن يتخذ موقفًا مائعًا من الشعر العامي الجديد؟!
أكبر الظن أن الشعر العامي الجديد بقدر ما هو رافض ومرفوض، شعر لا يخلو من الأصالة
ولا يخلو من الإبداع، ويكفيه في النهاية أنه الشعر الذي يستخدم لغتنا نحن، ليهز
مشاعرنا نحن، بتعبيره عن همومنا وأشواقنا نحن .. نحن أبناء هذا الشعب!
وقد تثار أخيرًا مشكلة القومية بالنسبة لهذا الشعر العامي، على اعتبار أنه "لهجة"
بيئية وليس "لغة" عربية، وهي المشكلة التي لا تثار في حالة الشعر تقليدية وجديدة،
وهنا لا بد من الأخذ بالرؤية الفنية والاجتماعية، طالما أن الرؤية الفنية للشعر
العامي تساعد على التصوير الواقعي للحياة القطرية، كما أن الرؤية الاجتماعية لهذا
الشعر تؤدي إلى الوحدة "عن طريق التنوّع" ولا تعني التعرض أو التناقض بأي حال. فإذا
كنا نرفض الحدود الإقليمية المصطنعة، ونطالب بوحدة المياه العربية والهواء العربي،
فإن هذه "الوحدة" فنيًّا واجتماعيًّا تعني "التنوّع" وأبدًا لا تتعرض مع "التوحّد".
وبعد هذا كله .. ورغم هذا كله .. أقول أنه إذا كان الشاعر – كما يقول العقاد - هو
من يعرف بشعره، وكنت قد قرأت هذا الديوان فوجدت فيه الصورة التشكيلية التي تكاد
تراها العين، والجملة الغنائية التي تكاد تسمعها الأذن، ثم المعاني الشعبية التي
نعيشها ونعايشها معًا، فاعلم أن هذا الشعر الذي يُسمع ويُرى ويُعاش .. هو للشاعر
مجدي نجيب!
["اضغط
هنا
للرجوع إلى ديوان "ليالي الزمن المنسي]
|