|
شاعر الغناء للحياة
بقلم:
فاروق شوشة
بين شعراء العامية في مصر، يمثّل مجدي نجيب سمتًا شعريًّا خاصًّا، اتّضحت معالمه
واكتملت ألوانه وخطوطه، من خلال مرحلة شعرية جادّة المعاناة والتوقّف والتأمّل،
حافلة بالعطاء الوفير المتتابع بدءًا بديوانه الأوّل "صهد الشتا" مرورًا بدواوينه
المتعاقبة: "الحب في زمن الحرب" و"ليالي الزمن المنسي" و"الوصايا".
كل
مرحلة من مراحل هذه الرحلة الشعرية تسلّم إلى ما بعدها، وتهيّئ للشاعر مزيدًا من
الدهشة المستمرّة والتجاوز الدائم للذات والاقتراب أكثر فأكثر من الغناء للوجدان
الإنساني المصري، الذي يلتحم به الشاعر التحامًا حادًّا وعميقًا في ديوانه الجديد
"الوصايا".
ومن البداية، يستطيع المتأمّل في شعر مجدي نجيب أن يضع يديه على سمات أساسية وبصمات
بارزة:
أوّلها: تلك الغنائية الحارّة المتوهّجة، تقطّر حبًّا وأملاً ورغبة في عناق
الكائنات، وارتفاعًا عن لحظات اليأس والبؤس والألم، وإصرارًا على تفجير طاقات الخير
في أعماق النفس الإنسانية، وصولاً إلى تحقيق الغد المشرق الذي يجمع الشاعر بأحبائه
وأصدقائه ومفردات عالمه الممتلئ.
ثانيتها: تلك اللغة العذبة السهلة الطيّعة، تنطلق من بين أنامله في غير إعنات أو
مشقّة، حاملة روح تجربته الشعرية وحرارتها وتدفّقها، منسجمة كل الانسجام مع ما
يمتلئ به شعره من صور وتراكيب وإيقاعات، بحيث تصبح هذه اللغة –التي هي إحدى منجزات
الشاعر الهامّة مع نفسه- ملمحًا أساسيًّا في شعره وسمة هامّة من سماته، وحاملة
لبذور تكويناته الخاصة كشاعر وكإنسان.
وثالثتها: تتمثّل في ذلك الحوار الدائم والتواصل المستمرّ الذي يقوم به الشاعر مع
ذاته وذوات الىخرين من حوله، إنَّهُ دائم التساؤل، دائم القلق والدهشة، دائم
التوقّف والتحديق والتأمُّل، بحثًا عن المعنى، ووصولاً إلى الفكرة الكبيرة وراء
المفردات المنعزلة والصامتة. وهذا الحوار المستمرّ يخلع على شعر مجدي نجيب نَفَسًا
دراميًّا، كما يدفع به إلى أبعاديستمرّ سبر غورها مرحلة بعد مرحلة، يحلِّقُ من
خلالها باحثًا عن أقانيمه الأثيرة: الحب والأمل والحنان.. لعلَّهُ بها يستطيع
الغناء للحياة!
ورابعتها: هذه القدرة الغريبة على النفاذ إلى جوهر الأشياء ببساطة وتلقائية، دون
تعمّل لفكر أو إجهاد لعقل، أو تظاهر بالتفلسف أو الجنوح خلف ضباب الميتافيزيقا.
إنَّ الشعور عند مجدي نجيب يظل هو وحده المجال الذي يحرص على إبقاء قارئه في خدمته،
ومن خلال هذا الشعور المتوتّر المنفعل الصادق، تتحقّق المشاركة والتآلف والتواصل.
وسرعان ما يعانق القارئ والمتلقِّي الفكرة التي يستهدفها الشاعر، تطلّ وتشير دون أن
تقترب، وتومئ دون أن تفصح، وهذه هي طبيعة مجدي الحيّي الخجول الوديع، الكاره
للفلسفة والحكمة الباردة الكاذبة، الحريص على أن يظلّ تلميذ الحياة البكر، رافضًا
أيَّة لحظة تصنع منه أستاذًا أو حكيمًا، أو تصوغ منه دعيًّا جديدًا يشدّ الناس إلى
الالتقاء حول رسالته الجديدة.
إنَّ الفن الصادق الأصيل يدفع بصاحبه إلى التواضع بين الناس، يتلقَّى منهم ويترجم
عنهم، ويدفعه إلى نبذ الاستعلاء وطرح كل ادِّعاء للنبوَّة الزائفة أو الزعامة
الفارغة. ومن هذه الخيوط البسيطة، الحيية، المتواضعة، يتكوَّن النسيج الحيّ لمجدي
نجيب: الشاعر والإنسان.
خامسًا: هذه الظاهرة الأساسية في أشعاره الأخيرة، خاصَّةً ما يضمُّهُ ديوان
"الوصايا". تلك هي تداخل دوائر الذات والأسرة والمجتمع والإنسانية في دائرة واحدة،
وهذا التداخل شيء مختلف تمامًا عن الانتقال من دائرة إلى أخرى بحسب التجربة أو
الموقف الشعري، إنَّهُ مواجهة كليَّة من الشاعر للحظات تجربته الشعريَّة، ورؤية
وجوديَّة مكتملة يلتحم فيها الشاعر كإنسان منفرد بخلاياه الحيَّة ممثّلة في نسيج
أسرته ونسيج مجتمعه وإنسانيَّته، وهنا يصبح الصوت المنفرد هو صوت الإنسان، صوت
الآخرين المتجسِّد من خلال وجدان الشاعر مُخصَّبًا بدمه، ملوَّنًا بطعم انكساراته
وانتصاراته، متلفِّعًا بقدرته على التحليق والهبوط، مرتكزًا على إيمانه بالغد
والحياة الأفضل والأمل المتجدِّد.
يظلُّ مجدي نجيب الإبن المخلص للوجدان القاهري الأصيل. وهو وجدان تشكَّلت معالمه
وتضاريسه من خلال صياغات متعدِّدة وتيَّارات وطقوس متراكمة، امترج فيها الفن القادم
من صعيد مصر، بالفن القادم من وجهها البحري وشواطئها المنفتحة على المتوسِّط،
والتقى فيها نبض الدراما الشعبيَّة في ريف مصر بحكاوي الحارة الشعبيَّة القاهريَّة
وغنائيَّاتها ومفرداتها، من خلال هذا المزيج المُركَّب، المتعدِّد الألوان، وتمَّت
صياغة الوجدان القاهري كما يمثِّلُهُ مجدي نجيب، نزوعًا إلى الرقَّة، والتحامًا
بهموم الناس، وغناءً للأمل والفرح، وحرصًا على الحياة، واصرارًا على عبور مخاضة
المعاناة، وقدرةً على الاستشراف والشمول.
وهذا الملمح في شاعريَّة مجدي نجيب هو الذي يميِّزُهُ تمامًا عن أقرانه من شعراء
العامية اليوم. إنَّ عطاءه الشعري لا تثقله انتماءات الغربة وأشجانها الساحقة التي
يعانيها في القاهرة القادمون من ريف مصر أو النازحون من صعيدها، كا أنَّ لهجته
القاهريَّة الصافية لا تترك مكانًا لمفردات الغرابة التي نطالعها في أشعار هؤلاء
باعتبارها جزءًا من الشخصية والبيئة، وتعبيرًا عنهما. ومن هنا، فقد ظلَّ شعر مجدي
نجيب يعكس صفاء الوجدان القاهري وعمقه كما يعكس صفاء اللهجة القاهريّة ونقاءها
وشفافيَّتها باعتبارها اللغة المشتركة في عالم التعبير الشعري بالعامية، اللغة التي
تقترب كثيرًا من سمت الفصحى مفردات وتراكيب وصورًا وأخيلَة وتعابير، وتطمح باستمرار
إلى تجاوز واقعها مسايرةً للتطوّر وانفتاحًا على تجارب التعبير في أحدث صوره
وأشكاله وأساليبه.
هذا الصفاء الذي يتَّسِمُ به شعر مجدي نجيب وهذا النقاء الذي يميِّز عالم مفرداته
وتعابيره. هو الذي يجعل نفاذه إلى أعماقنا سهلاً وطيِّعًا، وتحاورنا معه مباشرًا
وفعَّالاً. ونحن أمام عالمه الشعري لا نملك إلاَّ أن نخلع عنَّا أردية التصنُّع
والتعالم، لنعيش صوفيَّة اللحظة الشعرية وغناها وعمقها، وبساطتها في آن. لا يشتت
انتباهنا بريق كاذب أو طلاء زاعق وبهرجة زائفة، فالجوهر وحده يشفُّ ويلتمع من بين
ثنايا السطور، وتندمج قلوبنا وعقولنا في حميا الوهج الشعري، يأخذنا مدّه وجزره،
استرساله وتدفّقه، ونفاذه إلى أدقّ الخفايا وأعمق الأسرار.
مجدي نجيب في ديوانه الجديد "الوصايا" يتجاوز ذاته، ويغامر في آفاق أرحب، ويضيف
لسفينته الشعرية أشرعة جديدة، ولعالم ألوانه وظلاله مزيجًا جديدًا من الوان مبتكرة.
ثمَّة ربوة عالية يتسلَّقها مجدي من خلال قصائد هذا الديوان فيطلُّ من فوقها علينا
وتتنزَّل كلماته مغسولةً بالحكمة الصافية، بريئة كوجه الطفولة النقيّ، وتتتابع
وصاياه وتتوالى، في حدب عليه وإشفاق وحرص على الحياة، والعالم الكبير كلّه قد
استحال إلى مفردات صغيرة يحتويها قلب الشاعر، وتتلاصق من حولها أضلاعه وتتعانق،
فنحن أبناؤه وأسرته ودنيا أصدقائه وأحبّائه، غناؤه ووصاياه لنا وشعره عنّا، وصدره
الحاني الودود يتَّسع لنا جميعًا، هو يأخذ بأيدينا إلى مشارف بستانه المخضل، وحدود
غده الأخضر الريّان، نبيًّا من أنياء الحكمة وصوفيًّا يسكب علينا من مزامير روحه،
وشاعرًا رسالته الأولى: الغناء للحياة.
في
هذا الديوان الجديد، يتخلَّص مجدي نجيب من الفضول والاندياح الذي كان يلاحق تعابيره
ويثقلها في ديوانه الأول "صهد الشتا"، ويتجاوز ضراوة الانفعال الزاعق الذي كان عالي
النبرة بدرجة كبيرة في ديوانه الثاني "الحب في زمن الحرب" ويطرح عنه تداخل الصور
والمعاني بلا تحديد أو هويّة كما كان الحال في ديوانه الثالث "ليالي الزمن المنسي".
إنَّهُ هنا، في "الوصايا"، يعرف موطئ قدميه، ويدرك أبعاد حركاته ودورانه، بينما
عالمه الشعري المتنامي يرتفع شامخًا، لبنة فوق لبنة، دون إحساس بالمباشرة أو
التكرار، أو وقوع في أسر الكلمات البرَّاقة، المسترسلة كالثوب الفضفاض، تغري
بالاستطراد والإضافة ويخنقها الاختيار. والتعبير هنا، في "الوصايا"، أشدّ كثافة
وغنا وتوتّرًا وحدَّة، إنَّهُ مشحون برصيد أكبر من التجربة وطاقة أعمق من الانفعال،
لكنَّهُ انفعال تمَّت السيطرة عليه واختزانه في بوتقة الفن الحقيقية، حتى إذا حانت
لحظة الإبداع والخلق، تسرَّب هذا الانفعال في شرايين العمل الشعري، وغذاه بدورة
الحياة والتوهُّج، ومنحنا هذا التناغم الفريد بين لغة الفن ومادَّة الحياة.
وبعد:
ما
الذي يمكن أن يقوله شاعر يكتب بالفصحى عن شاعر يكتب بالعامية؟
بالرغم من هذا الفارق الشكلي يظل بيننا شيء عميق مشترك، هو وحدة المناخ النفسي،
ووحدة المسيرة الشعرية التي ننتمي إليها، أصواتًا تتناوح في قافلة كبيرة، تجتاز
المضيق الصعب نفسه، وتواجه التحديات نفسها، وتغنّي، بالرغم من ذلك كلّه، للحياة
الواعدة المرتقبة.
وكم هو صعب، الآن، أن نحاول الفصل بين المكتسبات التي حقّقتها حركة الشعر الجديد،
والمنجزات التي حقّقها شعراء العامية في مصر، فالتواصل بينهما متبادل، والتفاعل
بينهما طبيعي ومستمرّ، والوجهة الشعرية التي تستشرفها الكتيبتان تتكشّف عنها
الأستار يومًا بعد يوم.
ولسوف يجيء يوم، ليس بالبعيد، يعكف فيه نقادنا عن تأمّل هذه المسيرة الشعرية
المشتركة، بين شعراء الفصحى والعامية، باحثين عن وجوه التشابه في الرؤية والحساسية،
والمعمار الموحَّد، والتعبير بالصورة المتنامية والرسم بالكلمات، والبحث عن مصطلح
شعري جديد، والتوازن بين الوجدان الفردي والوجدان الجماعي. وعندئذٍ سيكتشفون –كما
نكتشف نحن اليوم- أنَّ مجدي نجيب واحد من المغنين البارزين في هذه القافلة، وأنَّ
عطاءه الشعري المتّصل أغنية عميقة متّصلة.. للحياة والإنسان!
["اضغط
هنا
للرجوع إلى ديوان "الوصايا]
|