|
!!لهذه
الأشعار الغريبة حكاية
بقلم: مجاهد عبد المنعم
مجاهد
هل
يمكن أن يحدث في يوم من الأيام أن يصبح للشتاء صهد؟
إذا حدث هذا فلن يحدث إلا في عمل فني، ذلك لأن العمل الفني وحده هو الذي يستطيع أن
يجمع بين ما لا يجتمع، ويمكن أن يتلاقى فيه ما لا يتلاقى .. ذلك لأن الفن هو نفي
الواقع ورفض له .. فإذا كان الواقع هو التكراري الروتيني القضباني، فالفن هو التجدد
اللامعاد المنطلق .. والفن – باعتباره شكلاً من أشكال التفكير – هو منقذنا من
الواقع الخارجي كما يذهب نيتشه .. ذلك لأن الفنان، شأنه شأن أي إنسان، وإن كان هناك
اختلاف في الدرجة، هو إنسان مغترب .. إنسان فقد أرضه، ذلك لأن عيونه أوسع من أحداقه
– على حد تعبير الشاعر صلاح عبد الصبور – فهو يرى أوسع من الأبعاد الحقيقية ..
فيصدمه أن تكون للأرض نهاية .. وهو إنسان فقد القناعة بتقبل التنظيم الموجود في
الكون .. وخلاصه الوحيد أن يعيد ترتيب هذه الجزئيات من جديد .. فيعطيها ترتيبًا
جديدًا، ليقيم كونًا من إبداعه هو يكون فيه خلاصه ..
ولكن .. هل يمكن أن تبلغ رغبته في الخلاص في أن تجعله يقيم للشتاء صهدًا؟ أفلا يوجد
تنافر بين الحدين يمنع التقاءهما عندما نتصور في الخيال نهرًا من العسل، ويكون هناك
إمكان أن يحدث هذا، وإن كان لا يحدث بسبب ناحية كمية لا أكثر ولا أقل، لأننا لن
نتمكن من أن نأتي بكمية من العسل بحيث نجعلها تتدفق مكونة نهرًا .. ولكن الشتاء
والصهد لا يجتمعان بحكم ما بينهما من تناقض منطقي. فهل يمكن أن يتسع الفن –باعتباره
رفضًا للواقع- بحيث يجمع ما يرفض الواقع أن يجمع بينهما؟
قد
يكون الذي دفع الشاعر مجدي نجيب صاحب هذه الأشعار إلى أن يجمع في صورة بين طرفين
متنافرين هو رؤية شعر بها إزاء الواقع نتيجة صدمة جعلته يشعر بتفكيكية العلاقات بين
الأشياء وأنه قد سقطت عنها الجبرية التي تقيم بينها روابط فانطلق بهذه الرؤية، وقد
انزاحت علامة السببية بين الأشياء، يجمع بين المتناقضات على أساس أن الكون، وقد فقد
معناه في نظره، يكون كونًا يمكن أن يجعل للشتاء صهدًا.
أقول قد يكون الدافع لهذا عند مجدي نجيب ناحية مضمونية بالنسبة لرؤياه للعالم
الخارجي، ولكني أقول –من ناحية الشكل- إن جمع ما لا يجتمع هو في الحقيقة جوهر الفن
.. لقد وضع مجدي نجيب يده –بطريقة عشوائية أو متعمدة- على منبع ثرٍ للفن العظيم هو
الذي لا يقتصر الخيال فيه على أن يكون هناك نهر من العسل، وإنما الذي ينطلق حتى
يجعل للشتاء صهدًا ..
عندما نتأمل لوحة بيكاسو الشهيرة "إمرأة تتزيّن" فسيصدمنا –وقد تعوّدنا في مشاهدتنا
للفن قبل مجيء السرياليين والتكعيبيين والتجريديين أن ترى تعبيرًا على القماش يكاد
يكون محاكاة للواقع التقليدي- سيصدمنا أن نرى إمرأة جالسة أمام مرآتها بوجهها
الأمامي وبجانبها وجهها من الجانب .. لقد ولج بيكاسو إلى الرغبة الدفينة الكامنة في
المرأة في أن تتمكن من أن ترى –في وقت واحد- شكلها ساعة الزينة من جميع الأوضاع وقد
استطاع بيكاسو أن ينقل هذا في لوحته .. وعد فنه فنًّا غامضًا لأنه لم يستسلم للأطر
الجمالية المتوارثة في ذوق عشاق الرسم، بل أراد أن يبدع إطارًا جماليًّا جديدًا وفق
منطق فلسفي له استمداداته من علم النفس التحليلي ..
وهذه الطريقة عينها هي التي يغرف منها صاحب هذا الديوان منطلقًا في التعبير .. ومن
هنا تأتي غرابة الصورة التي يذكرها .. إنه لم يستسلم لأشكال التعبير التقليدية في
الموال والبكائيات .. لماذا؟ لأن هذه الأشكال –وبأن كانت مكتوبة باللغة العامية-
فهي قد ورثت في الحقيقة بعض خصائص الشعر التقليدي المكتوب باللغة الفصحى .. لقد رضع
تراث الشعر الشعبي –في غالبيته- خصائص الحكمة والتلخيص والتعبير عن التجربة من
الخارج، بل وحفظ أشكالاً بعينها في التعبير كطريقة بناء الموال وطريقة نظام
القوافي. وعندما يبدأ الموال بمدح الحبيب ثم ينتقل إلى صلب الموضوع الأصلي .. ألا
نجد أنه يشبه ما يريد من القصائد الفصيحة حيث تبدأ بالنسيب ثم تنتقل بعد هذا إلى
الرثاء أو الفخر أو الهجاء؟ بل وحتى في التجارب القصصية الطويلة الشعبية التي تحتوي
على بعض المواقف الدرامية مثل موال أدهم الشرقاوي نجد التعبير عن هذه التجارب في
حدود الذوق الجمالي المألوف والذي إذا اشتط الخيال فيه فلن يتجاوز الناحية الكمية
في إمكان تحقق الصورة المغربة كأن يفسخ أدهم عدوه بيديه. حيث إن قوته الموجودة في
العمل الشعري تختلف عن قوته الموجودة في الواقع في الدرجة فحسب .. ومن هنا نجد أن
الشاعر الشعبي –في غالبية ما قيل أو ما وصل إلينا مما قيل- ليس محدودًا في رؤياه
الاجتماعية فحسب، بل هو محدود بوسائله الجمالية القائمة على البراعة الشكلية في
استخدام الكلمة الواحدة بعدة معانٍ وما شان ذلك من شكليات روتينية ..
وإذا كان الشعر التقليدي ظل طوال عدة قرون يستحلب شكلاً بعينه له بناء بعينه، وإن
كانت هناك بعض الأعمال النادرة التي تشذ عن هذه القاعدة سواء في الشعر العربي أو في
الشعر الشعبي .. وظل الأمر هكذا بالنسبة لتراث الشعر الشعبي إلى أن جاء صلاح جاهين
–أو لعل صلاح جاهين يمثل بلورة إتجاه أكثر مما يمثل الريادة- فاستغل طريقة الشاعر
الحر في الكتابة كما رأينا في ديوانه "كلمة سلام" وهذه الطريقة ظهرت أولاً عند
الشعراء الشباب الذين يكتبون بالفصحى من أمثال بدر شاكر السياب ونزار قباني وصلاح
عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وكامل أيوب ونازك الملائكة وغيرهم، فاستغل صلاح
جاهين هذه الطريقة في التعبير عن تجارب جديدة حتى يمكن فرد التجربة وعدم تلخيصها
حتى يمكن أن تعاش أكثر وحتى تستطيع أن تحتوي تجارب جديدة معاصرة وتكون التجربة ألصق
بذات الشاعر –حتى في تعبيره عن الواقع- من التصاقها بالواقع ..
وكانت هذه النقلة في الصياغة نقلة هامة وهي لا تقل في الثورة الفنية على الأشكال
المعتادة للشعر الشعبي عن الثورة الفنية المماثلة على الأشكال المعتادة للشعر
العربي وكان هذا بدء تيار جديد يغتني كل يوم بشعراء يمتازون بالثقافة أولاً وبرؤية
اجتماعية جديدة ثانيًا وبقدرة على هضم الطريقة الجديدة في الشعر الحر الفصيح ونقلها
إلى الشعر العامي .. وفي هذا التيار يسير مجدي نجيب وجاء ديوانه هذا كله من نسيج
الشعر الحر القائم على التفعيلة الواحدة .. إلا أنه لم يتوقف عند حدود صلاح جاهين
والكوكبة التي تدور في فلكه في معالجته للصورة في العمل الشعري .. إن صلاح جاهين
يتأرجح أحيانًا في بعض الأشكال التقليدية في الموروث الشعبي وبين الطريقة الجديدة
في الكتابة ولكن ظلت في كل هذه صوره صورًا يمكن للعقل التقليدي أن يستشعرها .. غير
أن مجدي نجيب اتبع طريقة أخرى في الصورة هي ما يمكن أن نطلق عليه تعبير "الصورة ذات
الحدود المتنافرة" ولعل هذه الطريقة في الصورة التي تتطابق مع المضمون الذي يريد أن
يقوله عن الواقع من أنه مفكك متنافر لا يقبل لتفسير ولا يحل إمكانية الإقناع
بصوابية ما فيه من أوضاع منافية للمنطق السليم، لعل هذه الطريقة في الصورة راجعة
إلى شعوره بالاغتراب وحتى يتمكن من التعبير بمنطقها الجديد عن هذه الغربة التي
استشرت تقريبًا في معظم قصائد الديوان:
إن
كان للنجم بلاد
أنا ع الأرض كلام
متبحتر .. تايه .. متغرب وملهوشي بلاد
أنا فارس ولجامي قمر
مخنوق بينادي الريح
تفتح له الباب
واغتراب صاحب الديوان اغتراب إنسان تضغط عليه المدينة بأحزانها، مدينة لم تشعره
بقمرها بل أشعرته بحلكتها وحدها، فجاء إنشاده إنشاد رجل مكروب:
أنا كنت عارف إني شايل بين إيديا روح كمنجه من الخشب
بتروح تسوح وتجيب معاها روح مدينتي
اللي لابسه توب حزايني في الربيع
إن
مجدي نجيب لا يرى مدينته إلا وقد غاب عنها القمر .. مدينة لا تحمل دفئًا ولا حبًّا،
حتى لقد كان يرى قلبه حزينًا:
ويعزي ويا الناس في روحي
وليست الصور التي يلجأ إليها صاحب الديوان صورًا متنافرة الحدود كوصفه بسمة القمر
بأنها "بسمه شايبه" إنما الصورة عنده أكثر تركيبًا وتعقيدً مثل:
نقرت طيور الابتسامه فوق حيطان قلبي الإزاز
فقد حوّل في البداية المعنوي إلى شيء محسوس مجسّد .. لقد حوّل الابتسامة إلى طيور
.. ثم قام برسم صورة جديدة لقلبه الخالي من الإحساس لما فيه من أحزان فجعل حيطان
قلبه من زجاج .. ثم أضاف الصورتين إلى بعضهما .. فما الذي نتج؟ إن كانت الطيور إذا
نقرت الزجاج لن تستفيد لأنها لن تجد حبًّا تأكله أو قشًّا تبني به عشها .. وهذه
الصورة التي رسمها الشاعر هي صورة دقيقة مطابقة لاستحالة أن ينفذ الفرح إلى نفسه
الخاوية الكئيبة .. حيث وقف عاجزًا مشلولاً لا يستطيع أن يتحرك:
ماقدرش أعدي من بيبان
مكتوب عليها بالرموش السهرانين:
إن
القمر مخنوق في ليلة حب ..
إن
الأمل مشنوق على ضفاف العيون
إن
النجوم سكنت قرار الجب ..
إنه عاشق قطف نجمة مضيئة زرعها على يد حبيبته، كان يريد أن يتحد بالآخر لكن العصر
عصر عقم وكانت النهاية أليمة:
مجنون وراكب فوق حصان الحزن
ولجامي كلمة حب فوق الريح بلا حكمه
عديت بحار الحزن ياما كلها تشبه بحار القلب
قطفت ايديا من النجوم نجمه
و
ف سري قلت أديها لصحابي
وفي المدينة كان طريقي لصحبتي خالي
وقف الفرس
ونا كنت شايل فوق ذنوب الدنيا دنيا فوق عنيا
وقف الفرس من تحت تعريشة عنب عطشان
بيشرب من عنيا
..
آه يا حبيبتي .. النجمه كانت بين ايديا.
ما
لقيتش غير إيديك
أول ما جيت أزرع عليها نجمتي
ماقدرش أقول آخر حكايتي ..
آخر حكايتي مُحزنه ..
فكيف رسم الشاعر صورته المركبة؟ إنه يصوّر نفسه مجنونًا امتطى للحزن جودًا إلا أن
لجام هذا الجواد كلمة حب كانت تقوده وتعقله .. وهذه الكلمة هي التي كبحت جماح هذا
الفارس وبرغم أنه يمتطي جواد الحزن إلا أنه استطاع أن يعبر به بحار الحزن .. إن
الشاعر يذكر أن وسيلته للخلاص أن يعبر بحار الحب مرشدًا .. ولما كان الجواد في
الواقع لا يستطيع أن يعبر البحار (قد يستطيع أن يعبر نهرًا هادئًا ضيّق المجرى) فقد
استعمل الشاعر هذا التعبير عن مدى ما استطاع أن يحققه من المستحيل باجتياز بحار
الحزن، وكانت ثمرة الرحلة ليست هي شط النجاة حيث هذا هو الترتيب المنطقي في بناء
الصورة، بل أن ثمرة الوصول هي أن يقطف وقد قطع رحلته الشاقة نجمة مضيئة حتى يعطيها
لأصحابه، لكنه في طريقه إلى الصحاب استوقفه حب إنسانة فأعطاها ثمرة تعبه وعنائه
فزرع نجمته في يد حبيبته ..
وقد لجأ الشاعر إلى هذه الصورة المستحيلة لأن النجمة لا تزرع، ثم هي إذا زرعت فقد
جعل يد الحبيبة هي أرض الزرع –وذلك تعبير عن الاستحالة- تعبيرًا عن استحالة أن يثمر
هذا الحب الذي كانت نهايته محزنة .. وكان أن انكسر ظهر الشاعر من عبء التجربة ..
فيحتج -مسبقًا- في وجه الذين يطالبونه بأن يغني:
إزاي أغني وظهري محني؟
إنه لا يريد أن يعطي لمدينته –ولعلها هي الحبيبة التي أبت أن تزرع نجمته على يدها-
لا يريد أن يعطيها أغانيه:
باقتل كلامي قبل ما تفرع زهوره من سدرها
والشاعر يعطي قلبه تبريرًا لموقفه هذا:
لو
كان في عيني لكل شيء نظرة عتاب
دا
لإن طعم القهر مرت فوق شفايفي صرخته
ومرة أخرى هنا نرى الصورة المركبة عند مجدي نجيب والتي تعد ميزته الشعرية الأولى
والتي ينفرد بها –حتى الآن- في مجال الشعر الشعبي.. فقد جمع المذاق والسمع معًا ..
لقد جعل أوّلاً للقهر طعمًا .. ثم جعل لهذا الطعم لا مذاقًا ولكن صرخة وذلك بهدف
تعميق إحساس القهر الذي يحس به في نفسية القارئ ..
ولا ترد الصور المركبة عند صاحب الديوان فرادى عفوًا، بل هي ظاهرة مضطردة لديه في
معظم قصائد الديوان وخاصةً في قصيدة "رسائل حزينة" ففي المقطع الحادي عشر من
القصيدة مثلاً يقول:
كان النسيم مقتول على جدران شوارع ضحكتي
فقتل النسيم عملية بشعة تشعرنا بعنف الجريمة وقساوتها، ولكن جثة هذا القتيل أين
علقت؟ لقد علقت على جدران شوارع، إلا أنها شوارع ضحكة الشاعر .. وهذه هي أطراف
الصورة المتنافرة الحدود، حيث لا علاقة بين النسيم والضحكة واقعيًّا، لكن الشاعر
يبرز هذه العلاقة من خلال إحساسه بالحزن والفجيعة .. الذي يمكن أن يشعرنا بأن
الضحكة قد قتلت ما دامت هناك جريمة هي قتل النسيم الرقيق.
وعندما نأخذ هذه الصورة في قصيدة "الغريب":
ورطوبة الأحزان بتتنفس على جدران حنك ميّت
إن
هذا التعقيد في رسم الصورة هو الذي يعطيها حلاوتها الجمالية ثم يعطيها غناها ثم
يعطيها أن تفرش ظلالاً نفسية بما تحتويه في روح القارئ .. قد لا يفهم القارئ الصورة
فهمًا عقليًّا، لكنها تصل إلى وجدانه .. والوصول إلى الوجدان –ولو في عتامة- نتيجة
هذه الصورة المعقدة، غير المألوفة، هو غاية الفن ..
ولكن هل يمكن أن يحتوي التعبير العامي ويتحمل مثل هذه الطريقة في البناء بالصور؟
لما كانت عملية الوصول إلى الوجدان هي غاية الفن، فإن الشعر الشعبي أقدر –بشرط وجود
الشاعر الأصيل- على توصيل المعنى .. ذلك لأن الكلمة العامية مربوطة بوجدان القارئ
ودمه ولحمه وليست مربوطة بعقله .. إننا نعرف أن كل كلمة هي عبارة عن تجريد بالنسبة
للواقع .. فكلمة منضدة كلمة مجردة لأنها هي ليست المنضدة عينها، بل هي بديل عن
المنضدة الحقيقية .. ونحن نعرف أن كلمة تربيزة –من ناحية المعنى- مرادفة لكلمة
المنضدة .. ولكننا نعرف أن كلمة تربيزة هي رفيقة وجدان وإحساس .. بينما كلمة منضدة
هي رفيقة عقل وتفكير .. ولما كان الفن هو التعبير عن المحسوس لا المجرد، العيني لا
المطلق، كانت الكلمة العامية أقدر على إبراز الفن "بشرط الاستعمال الجمالي لها" ..
فإذا جاء شاعر واستغل اللغة العامية ومعها استغل الوسائل التعبيرية الجديدة التي هي
من خصائص الشعر الحر، ثم أضاف إلى ذلك تلك الطريقة المعقدة في رسم الصورة والتي لا
نراها في الشعر الحر الفصيح إلا نادرًا. أدركنا ما يمكن أن يحدثه هذا الشاعر من
طفرة تعبيرية .. ونقلة في الموروث الشعري .. وكان لمجدي نجيب من الجرأة ما جعله
يتخذ هذا الموقف الفني "المتطرف" لإحداث صفعة للتذوق العام وللأطر المعتادة للصور
والأبنية التقليدية لصياغة الشعر الشعبي ..
غير أن هناك أشياء قد تحد من قدرة صاحب الديوان على استغلال هذه الوسائل الجديدة
خير استغلال .. فصاحب العمل يكاد أن يدور في معظم قصائد الديوان حول محور واحد ..
هو المدينة والقمر .. الشاعر ومقدار ما اصاب روحه من انكسار من المدينة .. والقمر
باعتباره إما شاهدًا على العذاب الذي يعانيه نتيجة هذه العلاقة .. وإما باعتباره
غائبًا عن المدينة ليمنحه بصيصًا من الضياء .. وإما باعتباره بديلاً عن الأصدقاء
والأحباء والأحباب .. ولعل هذا الموضوع الواحد هو الذي يحد من آفاق تجربته فلا
يجعله يختار لتجاربه نماذج حية تدخل في صراع وموقف درامي بحيث ترى الحدث وهو ينمو
بكل جزئياته .. وفي استطاعة الشاعر أن يمتلك ناصية التعبير كما نجد مثالاً على هذا
في قصيدة من القصائد القليلة التي خرجت من نطاق أسر موضوعه الواحد وهي قصيدة
"شطرنج" .. وقصيدة "الخوف" فقد صوّره لنا من خلال أننا نلد في اليوم السابع لا
الشهر التاسع (وإن يكن الشاعر قد أخطأ في استعماله للفعل يحبل بدل يلد) ويصوّر لنا
الخوف وقد جعل الرجال –لا النساء- هم الذين يلدون فقد حوّلهم إلى نساء مستضعفات ..
كما أن هذه الطريقة الجديدة في استخدام الصور كانت تقتضي اتضاحًا أكثر مما هو موجود
للأفكار التي يعبر عنها الشاعر .. فقد أثقلت الرموز التي انضافت إلى الصور
المتنافرة الحدود من "توتيم" المعنى الذي يقصده الشاعر مما قد يجعل التباسًا لدى
القارئ .. وقد يكون هذا راجعًا إلى أن تكوين القصيدة بنائيًّا محتاج من الشاعر إلى
عملية أكثر تيقظًا بحركة انفتاحها ونموّها ..
وإذا كان القمر في شعر مجدي نجيب هو أحيانًا شاهد فجيعة ذبح العصر، فعليه لكي يتضح
هذا المعنى أن يتسلل بعض الضياء في أعماله أشد مما يفعل من الناحية الفنية حيث أننا
لا نستطيع أن نتخذ موقف الوعظ ونفرض على الشاعر موقفًا مضمونيًّا بعينه .. فالشاعر
له كامل الحرية في أن يقول ما يقول على شرط أن يقنعنا عن طريق البراعة الفنية بما
يقول .. بمثل ما ينبغي أن ننهي هذه المقدمة التي انحصرت في إلقاء بعض الأضواء على
ما احتواه الديوان حتى نترك للقارىء .. وذلك بأمل ألا يشعر أن للشتاء صهدًا فحسب..
بل على أنه قد يكون للصهد شتاؤه أيضًًا!!.
["اضغط
هنا
للرجوع إلى ديوان "صهد الشتا]
|